هل المندوب مأمور به حقيقة

هل المندوب مأمور به حقيقة ؟
القول الأول:
أن المندوب مأمور به حقيقةً ـ وهو قول الجمهور– فقد ذهب إليه المحققون من الحنفية، وقال به المالكية، وأكثر الشافعية، والحنابلة.

أدلتهم :
أولاً : أطلق الله تعالى لفظ الأمر على المندوب إليه فقال تعالى :
{ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} فهنا أمر بالإحسان وإيتاء ذي القربى وهي أمور مندوب إليها فدل ذلك أن الأمر يطلق على المندوب حقيقة كما يطلق على الواجب حقيقة .

ثانياً : أن الأمر نوعان أمر إيجاب وأمر استحباب فهما قسمان تحت مسمى واحد فلا يصدق على أحدهما حقيقة وعلى الآخر مجازا ً بل يكون حقيقة عليهما فالأمر نوعان أمر جازم وأمر غير جازم فصدق الأمر على الجازم حقيقة لا يلزم منه رفع صفة الأمر حقيقة عن الوصف المندوب إليه لأنهما حقيقتان داخلتان تحت جنس واحد وهو الأمر.
ثالثاً: شمول حد الأمر له فالأمر هو استدعاء الفعل ، والمندوب مستدعى ومطلوب فالمستدعى والمطلوب سواء كان واجب أو مندوب يصدق عليه حقيقة الأمر ، كما صدق لفظ الأمر على الواجب حقيقة بلا خلاف فكذلك يصدق لفظ الأمر على المندوب حقيقة ، لأن المندوب والواجب فرعان للفظ أمر فإذا صدق على الواجب حقيقة فكذلك المندوب .
رابعاً : أن المندوب طاعة وكل ما هو طاعة فهو مأمور به حقيقة فالنتيجة أن المندوب مأمور به حقيقة.

القول الثاني :
أن المندوب مأمور به مجازا ً، وهو قول بعض الحنفية ونقل عن أكثر الشافعية .
أدلتهم :
الأول : قوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } فالمندوب لا يترتب على مخالفته العقاب فيكون مجازاً وليس أمر حقيقة ً.
الثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) .
والنبي نفى الأمر عن السواك، والسواك مندوب إليه فدل على أن السواك مأمور به مجازاً لا حقيقة ً.
الثالث : لو كان المندوب مأموراً به على وجه الحقيقة لسميّ تاركه عاصياً، وفي الحقيقة لا يصح أن يوصف تارك المندوب بالعصيان فدل ذلك على أن المندوب مأمور به على وجه المجاز لا الحقيقة.
الأجوبة عن أدلتهم :
• الجواب عن الاستدلال الأول : أن الأمر نوعان: أمر إيجاب وأمر استحباب ، فإذا أطلق لفظ الأمر يكون عليهما حقيقة ، وأما هنا فقد وجدت قرينة تدل على أن المراد هنا أمر إيجاب ، والقرينة هي أن العقاب لا يترتب إلا على مخالفة الأمر الواجب،لأن الله تعالى قال: { أن تصيبهم فتنة } فهذه دلت على أنه أمر إيجاب ومحل الخلاف إذا أطلق الأمر دون قرائن وهنا وجدت القرينة التي تجعله أمر إيجاب .
• الجواب عن الاستدلال الثاني : أن المنفي هنا هو أمر الإيجاب فيكون التقدير :
( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أمر إيجاب ولكن لوجود المشقة السواك مندوب ) .
الجواب عن الاستدلال الثالث : أن نفي صفة العصيان عن تارك المندوب بسبب أن العصيان صفة ذم مختصة بتارك الواجب وفاعل المحرم ، وليست عامة لتارك الأمر، ولو سمّي تارك المندوب عاصياً لالتبس المندوب مع الواجب، لذلك نفي الذم عن تارك المندوب.

وهنا ثمة مسألة مهمة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد حكاية الخلاف في هذه المسألة حيث قال : ” التحقيق في مسألة الندب مع قولنا : الأمر المطلق يفيد الإيجاب . أن يقال : الأمر المطلق لا يكون إلا إيجابًا ، وأما المندوب إليه فهو مأمور به أمرًا مقيدًا لا مطلقًا ، ليس أمرًا مطلقًا وإنما هو مقيدًا ، فيدخل في مطلق الأمر لا في الأمر المطلق”.
ومعنى كلامه: أن هناك فرق بين مطلق الأمر والأمر المطلق !، لذا هناك فرقٌ بين المسألتين .
فالأمر المطلق لا يكون إلا للواجب ، أما مطلق الأمر فيدخل فيه الواجب والمندوب ،وهذا لأنه يُفرّق بين مطلق الشيء والشيء المطلق، مثال: الماء المطلق و مطلق الماء؛ مطلق الماء ينقسم إلى الطهور والطاهر والنجس ، أقسام الماء كلها تدخل تحت مطلق الماء ، أما الماء المطلق فيختص بواحد وهو الطهور، ومطلق البيع ينقسم إلى جائز وغيره ، والبيع المطلق للجائز فقط ، ومطلق الْمِلك يثبت للحر والعبد –لأن العبد يملك لكنه ليس استقلالاً إذ لابد من إذن سيده- ، أما الملِك المطلق يثبت للحر -وهو الذي يتصرف فيه بجميع أنواع التصرفات الجائزة له شرعًا –، وكذلك هنا الأمر المطلق يُصرف للوجوب، ومُطلق الأمر ينقسم إلى واجب ومندوب كما تقدم، والله تعالى أعلم.