استخلاف القاضي غيره

 

التعريف بمفردات البحث .

 

الاستخلاف لغة :

أصله خلف ، ويقال: اسْتَخْلَفَ فلاناً من فلان أي: جعله مكانه ، وخَلَفَ فلان فلاناً إذا كان خَلِيفَتَه

يقال خَلَفه في قومه خِلافةً وخَلَفْتُه أَيضاً إذا جئت بعده ، ويأْتي بمعنى البدل فيكون خلَفاً منه أَي بدلاً .

 

الاستخلاف اصطلاحاً :

هو قيام شخص بأعمال مخصوصة من قبل شخص آخر التزم بهذه الأعمال .

 

القضاء لغة:

أَصله قَضايٌ لأَنه من قَضَيْت إِلا أَنَّ الياء لما جاءت بعد الأَلف همزت ، والجمع منه الأَقْضِيةُ و القَضايا .

ويطلق في اللغة على عدة معاني منها :

1/ الفَصْلِ والحُكْم ، يقال: قَضَى يَقْضِي قَضاء فهو قاضٍ إِذا حَكَم وفَصَلَ ، وقولهم قَضَى القاضِي بين

الخُصومِ ، أَي: قَطَع بينهم في الحكم ، ومنه قوله تعالى: {ولَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لقُضِيَ بينهم} أَي لفُصِلَ بينهم.

2/ الإِحْكامُ والإِمْضاء والفراغ من الشيء بمعنى الخَلْق ،كقوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} أَي:خلقهن.

3/ الحَتْم والأَمْرُ ، قال تعالى: {وقَضَى ربُّك أَن لا تعبدوا إِلاَّ إِياه} أَي أَمَر ربك وحَتم.

4/ القضاء بمعنى الإعْلام ومنه: {وقَضَينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} أَي أَعْلَمْناهم إعلاماً قاطعاً .

 

القضاء اصطلاحاً:

 عرف القضاء بعدة تعريفات منها:

 عند الحنفية : قول ملزم صادر عن ولاية عامة .

عند المالكية : الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام .

عند الشافعية : فصل الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى.

عند الحنابلة : النظر بين المترافعين له للإلزام وفصل الخصومات .

وعرّف أيضاً بأنه : تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات.

وهذا هو التعريف المختار.

الفائدة من استخلاف القاضي لغيره .

 1/ أن القاضي قد تعرض له بعض العوارض من مرض ، أو سفر ونحو ذلك ، فيقوم نائب القاضي (المستخلَف) بأعمال القاضي مدة غيابه أو مرضه .

2/ أن القاضي قد يحتاج نائباً عنه في بعض الأعمال كما لو استخلفه في معاينة عقار أو سماع شهود أو بيّنة فإن النائب يعين القاضي على بعض أعماله .

ويمكن أن يضاف :

أن وجود النائب يساعد القاضي على عدم تعطيل القضايا ومصالح المسلمين ، لأن القاضي لو تابع كل هذه الأمور بنفسه لكان في ذلك تعطيل للمصالح لاسيما في هذا الزمان لاتساع البلد وقلة القضاة نوعاً ما ، فوجود نائب للقاضي توفرت فيه الشروط يساعد في تحقيق المصلحة بشكل أسرع .

 أنـواع الاستخـلاف

للاستخلاف أنواع وهي على ما يأتي :

 

1/ أن يستخلف القاضي غيره في كامل أعماله فيسند إليه جميع ما هو داخل تحت ولايته .

 

2/ أن يستخلفه في عمل معين ، فيفوض له أمراً خاصاً  كسماع بينة ، أو بيع تركة خاصة ، أو الفصل     في حكومة معينة بين خصمين .

 

3/ أن يستخلفه للحكم في يوم معين ، كأن يقول : قلدتك النظر بين الخصوم في يوم السبت خاصة ، فينظر بين الخصوم في جميع الدعاوى التي تأتي في ذلك السبت ، وتزول ولايته مع غروب الشمس منه .

ويجوز أن يقلده النظر في كل يوم سبت ، فإذا خرج يوم السبت فإن ولايته تبقى وإن لم ينظر فيما عداه من أيام.

وأعمال القاضي عشرة هي في الجملة : التسوية في الحكم بين القوي والضعيف ، تصفح شهوده وأمنائه وخلفائه ، إقامة الحدود ، تزويج الأيامى بالأكفاء ، تنفيذ الوصايا على شروط الموصي الموافقة للشرع ، النظر للأوقاف بحفظ أصولها وتنمية فروعها ، ثبوت الولاية على من كان ممنوع التصرف لجنون أو صغر ، الحجر على من يرى الحجر عليه لسفه ونحوه ، استيفاء الحقوق من الممتنع عن أداءها وإيصالها لمستحقيها ، فصل المنازعات وقطع التشاجر.

 

حكم إذن الإمام للقاضي بالاستخلاف.

 

 

نص الشافعية وبعض الحنابلة إلى أنه يندب للإمام إذا ولّى قاضياً القضاء أن يأذن له بالاستخلاف ، ليكون أسهل له وأقرب لفصل الخصومات ويتأكد ذلك عند اتساع المنطقة التي يقضي بها القاضي .  

 

المطلب الثاني:

استخلاف القاضي غيره .

 

 

المسألة الأولى : حكم استخلاف القاضي غيره .

تحرير محل النزاع:

 

أولاً: إن أذن الإمام للقاضي أن يستخلف غيره في عمله ، فهنا يجوز له الاستخلاف بالاتفاق ، سواءً اتسع العمل أم لم يتسع ، لعذر أو بدون عذر ، قدر على القيام بما ولّي عليه أم لا .

الدليل:لأن الإمام قد ولي أمور المسلمين وطاعة ولي الأمر واجبة فالقاضي هنا داخل في طاعة الإمام .

 

ثانياً: إن نهى الإمام القاضي أن يستخلف غيره ، فهنا لا يجوز له الاستخلاف بالاتفاق ، سواء اتسع العمل أم لم يتسع ، قدر على القيام بما ولّي عليه أم لا .

الدليل: لأن طاعة الإمام واجبة لقوله تعالى :  {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، وهنا الإمام قد نهى القاضي عن الاستخلاف ، فيكون استخلاف القاضي لغيره مخالفة للإمام وهذا غير جائز .

 

ثالثاً: إن لم يأذن الإمام للقاضي بالاستخلاف ولم ينهاه عنه ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:

 

القول الأول : لا يجوز للقاضي أن يستخلف مطلقاً قربت الجهة ، أم بعدت قدر على القيام بما كلف به أولاً ، وذهب إلى ذلك الحنفية ، وقول عند المالكية ، والشافعية .

الأدلة :

1/ القياس على الوكيل بجامع أن كل منهما نائب عن غيره ، فالوكيل بالبيع لا يمكنه أن يوكل غيره إلا بإذن موكله ، وكذلك القاضي فلا يملك أن يستخلف قاضٍ آخر إلا بإذن الإمام .

 

نوقش: أن الاستخلاف يفارق التوكيل لأن الإمام يولي القضاء للمسلمين لا لنفسه بخلاف التوكيل .

 

2/ أن الإمام إنما ولى القاضي القضاء ليقضي بما يراه لا بما يراه غيره ، وفي الاستخلاف بغير إذن الإمام قضاء برأي الغير وهذا مخالفة لما أمر به الإمام ومخالفة الإمام محرمة،فلا يجوز أن يستخلف إلا بإذن الإمام.

 

نوقش : أن الإمام إنما ولى القاضي القضاء لتحقيق المصلحة ودرء المفسدة ، وهذا كما يحصل بقاضي فإنه يحصل بالقاضي الآخر .([11])

 

 

القول الثاني :

يجوز للقاضي أن يستخلف مطلقاً ، وهو قول عند الشافعية ، ومذهب الحنابلة .

 

الأدلة :

 

1/ أن ولاية القاضي للقضاء يُقصد منها النظر في مصالح المسلمين وفصل الخصومات وقطع النزاعات ، وهذا كما يحصل من القاضي يحصل من غيره ، وإذا جاز من غيره جاز له الاستخلاف .

 

نوقش: أن النظر في مصالح المسلمين يشترط فيها كمال النظر إلى حكم القاضي المولّى دون غيره ، وفي استخلاف القاضي غيره دون إذن الإمام خروج عن هذا الشرط .

 

2/ القياس على الموصي فالموصي يتصرف حسب المصلحة فكذلك القاضي يتصرف حسب ما تقتضيه المصلحة .

القول الثالث:

يجوز للقاضي أن يستخلف إذا كانت الجهة بعيدة عنه ، أولم يقدر على القيام بما كلف به لعذر .

وهو قول بعض المالكية  ، وأصح الروايات عند الشافعية  ، وبعض الحنابلة .

دليلهم :

أن القاضي ولّي القضاء للنظر في مصالح المسلمين ، وفي ترك الاستخلاف جلب للمفسدة وهي تعطيل مصالح المسلمين فيستخلف درءً للمفسدة .

أما الجهة القريبة فلا يجوز أن يستخلف ، لأن في استخلاف غيره مع قرب الجهة إعراضاً عن الحكم بنفسه والاعتماد على غيره ، وهذا لا يحق له ، وفيه تعدٍ على الإمام وهو مأمور بطاعته .

 

الراجح : القول الثالث ، وهو جواز الاستخلاف إذا كانت الجهة بعيدة عنه ، أولم يقدر على القيام بما كلف به لعذر .

سبب الترجيح: لقوة دليلهم وعدم ورود المناقشة عليه ، ولأنه بهذا القول تتحقق المصلحة وتدفع المفسدة بدون تعدٍ على الإمام ، فما لا يقدر عليه القاضي لعذر أو لبعد الجهة يستخلف فيه غيره فتفصل الخصومات وتحقق المصالح بهذا بدون تعدٍ على الإمام.

 

المسألة الثانية : حكم استخلاف القاضي لولده أو والده .

 

تحرير محل النزاع :

 

1/ إن أذن الإمام للقاضي أن يستخلف ولده أو والده جاز ذلك بالاتفاق.

 

2/إذا كان القاضي مأذوناً له بالاستخلاف فهل يجوز له أن يستخلف والده أو ولده ؟

وقع خلاف في هذه الحالة على قولين :

 

القول الأول :

لا يجوز للقاضي أن يستخلف والده أو ولده ، وهو قول بعض الحنفية .

الدليل: لأنه كالوكيل لا يجوز أن يبيع بمطلق الوكالة بمطلق الوكالة من ابنه ولا أبيه ولا من تجوز شهادته له عند أبي حنيفة .

 

القول الثاني:

يجوز له أن يستخلف والده أو ولده ، وهو قول أكثر الحنفية ، وقول الشافعية والحنابلة .

الدليل: لأن والده وولده يجريان مجرى نفسه ، فكما يجوز له أن يحكم في أعماله فجاز أن يستخلفهم في الحكم في ذلك .

 

ما يشترط في المستخلَف ( نائب القاضي) .

 

يشترط في المستخلَف ما يلي:

1/ أن يكون عالماً بما اُستخلف فيه ، فمثلاً : لو استخلفه القاضي في أمر خاص كسماع بينة أو تحليف فيكفي علمه بما يتعلق بشروط البينة ، أو التحليف .

2/ إذا كان نائباً عن القاضي في جميع أعماله فيشترط فيه كما يشترط في القاضي من صفات ، لأنه قاضٍ.

3/ أن يكون معيناً ، فعلى القاضي المستخلِف أن يعين من ينوب عنه ، فلا يصح أن يقول القاضي :       من نظر في هذه القضية فهو خليفتي ، لأن المستخلَف هنا مجهول فلم يسمِ القاضي أحداً .

أما إن قال : قد رددت النظر في هذه القضية إلى فلان و فلان ، فأيهم نظر فيها فهو خليفتي ، جاز ذلك لأن جميعهم مستخلَف ، سواء قل عدد المستخلَفين أم كثر ، فإذا نظر فيها أحدهم تعيّن وزال النظر عن الباقين .

أما شروط القاضي فقد اتفق الفقهاء على بعضها واختلفوا في البقية ، فاتفقوا على أن يكون القاضي مسلماً ، بالغاً ، عاقلاً ، حراً .
واختلفوا في عدة شروط وهي : أن يكون أهلاً لأداء الشهادة ، فطناً ، عدلاً ، ذكراً ، سميعاً ، متكلماً ، بصيراً ، مجتهداً ، عالما بالأحكام الشرعية ، أميناً ، السلامة من حد القذف.

 

نفاذ حكم المستخلَف .

  إذا حكم المستخلَف في قضية فهل يلزم تنفيذ هذا الحكم أم لا ؟

نفاذ حكم المستخلَف له حالات وهي :

1/ إذا استخلف القاضي شخصاً يصلح للقضاء وعن إذن الإمام بذلك ، فهنا ينفذ حكمه وليس لأحد رده ولا يلزمه إجازة القاضي ، وذلك لصحة الاستخلاف واستناده إلى إذن الإمام .

2/ إذا استخلف القاضي شخصاً لا يصلح للقضاء فهنا لا ينفذ حكمه وقضاؤه سواء أجازه القاضي أو لا.

3/ إذا استخلف القاضي شخصاً من غير إذن الإمام ، ولم يجز القاضي حكمه فهنا لاينفذ حكم المستخلَف.

4/ إذا استخلف القاضي شخصاً من غير إذن الإمام، وأجاز القاضي حكمه، فهنا اختلف الفقهاء في نفاذ حكمه هل ينفذ أم لابد من إذن الإمام ؟ على قولين :

 

القول الأول: لا ينفذ حكم المستخلَف مطلقاً ، وهو قول بعض الحنفية.

دليلهم:  أن التصرف المأذون به للقاضي فقط دون نائبه فلا ينفذ قضاء النائب إلا بموافقة الإمام .

 

القول الثاني:  ينفذ حكم المستخلَف هنا، وهو قول أكثر الحنفية ، والمالكية  ، وقول عند الشافعية ، والحنابلة.

دليلهم:  قياسه على الوكيل إذا وكل غيره بالتصرف ولم يكن مأذوناً فيه ، فإذا تصرف الوكيل الثاني جاز تصرفه.

 

 

عزل المستخلَف .

 

 

المسألة الأولى: بماذا ينعزل المستخلَف ؟

إذا استخلف القاضي غيره ، فهل يملك عزل المستخلَف عن القضاء ؟ وهل ينعزل هذا  المستخلَف بموت القاضي الذي استخلفه؟ ، وهل ينعزل المستخلَف بسبب عزل السلطان للقاضي المستخلِف ؟ .

تحريـــــر محـــــل النــزاع :

 

1/ اتفق الفقهاء على أن الإمام إذا نص للقاضي بالاستخلاف، أو جرى العرف باستخلاف القاضي غيره، فهنا لا ينعزل المستخلَف بعزل القاضي له ، ولا بموت القاضي ، ولا بعزل القاضي عن القضاء من قبل السلطان ، لأنه قد صار معيّناً من قبل الإمام.

2/ وقع الخلاف بين الفقهاء فيما إذا أطلق الإمام فلم يأذن له بالاستخلاف ولم ينهه عنه ، أو إذا استخلفه لاتساع عمله بجهة بعدت وهذه عند المالكية ، على قولين :

 

 

القول الأول:لا ينعزل المستخلَف إذا مات القاضي ، أو عزله ، أو عُزل القاضي عن القضاء .

وهو قول الحنفية ، وقول عند المالكية ، ومذهب الحنابلة .

دليلهم:  أن القاضي لا ينعزل بموت الإمام فكذلك المستخلَف لا ينعزل بموت القاضي .
 

القول الثاني: ينعزل المستخلَف إذا مات القاضي ، أو عزله .

وهو القول الآخر للمالكية ، والأصح عند الشافعية ، ورواية عند الحنابلة .

دليلهم:  قياس القاضي على الوكيل ، فالوكيل له عزل نائبه ، فكذلك القاضي له عزل نائبه .

 

المسألة الثانية : متى يكون المستخلَف معزولاً ؟

 

يكون المستخلَف معزولاً عند توفر شرطين:

                                                     

1/ أن يكون العزل صريحاً ، فيكون بالقول مشافهةً أو بالكتابة إلى المستخلَف .

 

2/ أن يصل المستخلَف الخبر بالعزل ، فإذا لم يصله فهو على قضائه، فما قضاه بعد العزل وقبل وصول الخبر إليه صحيح ، ومتى وصله الخبر بالعزل صار معزولاً .