كفارة القتل

المطلب الأول : حكم الكفارة في القتل الخطأ .

 

تجب الكفارة في القتل الخطأ بالإجماع .

قال ابن المنذر : ” وأجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة ”  .

 

الأدلة:

  • قول الله عز وجل: { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كان من قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كان من قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ }.

 

  • أن فعل الخطأ جناية ولله تعالى المؤاخذة عليه لأن تجنب القتل مقدور عليه بالتكلف والجهد وإذا كان جناية فلابد لها من التكفير والتوبة .

 

  • لأن النفس الذاهبة بالقتل الخطأ معصومة محرمة فلذلك وجبت الكفارة فيها .

 

المطلب الثاني:

حكم الكفارة في القتل شبه العمد  .

اختلف العلماء في وجوب الكفارة فيه على قولين :

القول الأول :  أن الكفارة تجب على القاتل  قتل شبه العمد .

وهو قول جمهور الحنفية، ومذهب الشافعية، والحنابلة.

الأدلة :

  • أن الكفارة إنما وجبت في الخطأ إما لحق الشكر أو حق التوبة ، والداعي إلى الشكر والتوبة موجود هنا فالشكر لسلامة البدن من القصاص والتوبة لكون القتل شبه العمد جناية ولكن فيها نوع خفة لعدم قصد القتل فيها، فتجب الكفارة هنا توبة لله وشكراً له.
  • القياس على القتل الخطأ ؛ فإن القتل شبه العمد يشبه القتل الخطأ في عدم قصد القتل فوجبت فيه الكفارة كالقتل الخطأ.

القول الثاني:   أن الكفارة لا تجب على القاتل شبه العمد .

وهو قول بعض الحنفية.

 

دليلهم:

القياس على القتل العمد ، فإن الإثم كامل وهذا يمنع شرع الكفارة ؛ فالكفارة من باب التخفيف ، وهذه جناية مغلظة فلا تصلح الكفارة توبة بها كما في العمد.

مناقشة الدليل :

أن القاتل في شبه العمد آثم إثم الضرب لأنه قصده ، لا القتل لأنه لم يقصده، وهذه الكفارة تجب بالقتل وهو فيه مخطئ ولا تجب بالضرب ، فكذا عند اجتماعهما يضاف وجوب الكفارة إلى القتل الغير مقصود.
الترجيح وأسبابه :

الراجح :

القول بوجوب الكفارة  في القتل شبه العمد .

أسباب الترجيح:

وجاهة أدلة القول الأول ، ومناقشة  دليل القول الثاني مناقشة صحيحة.

 

المطلب الثالث:

حكم الكفارة في القتل العمد .

 

تحرير محل النزاع:

إذا اقتص من الجاني فإنه لا كفارة عليه اتفاقاً، لحديث : ( القتل كفارة ).

وكذلك قوله r : ( ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له).

واختلفوا في ما إذا عفا عنه أولياء الدم أو تعذر القِصاص في حقه ، على قولين :

القول الأول:   لا تجب الكفارة في القتل العمد .

وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور عند الحنابلة .

الأدلة:

  • قول الله عز وجل: { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ }، وجه الدلالة من الآية: أن الكفارة جاءت في سياق القتل الخطأ ، ثم قال في سياق القتل العمد : {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه  جهنم} فذكرت الكفارة مع القتل الخطأ ولم تذكر مع القتل العمد ولو كانت واجبة لذكرت .
  • لما روي أن الحارث بن سويد بن الصامت قتل رجلاً فأوجب النبي r على القاتل القود ، ولم يوجب الكفارة، فلو كانت الكفارة واجبة لذكرها .
  • أن القاتل عمداً ارتكب إثماً عظيماً لا تكفره الكفارة ولا يعذر فيه لوجه

القول الثاني :   تجب الكفارة في القتل العمد .

وهو قول الشافعية، ورواية عن أحمد.

الأدلة :

– حديث واثلة ابن الأسقع أن النبي r أتاه نفر من بني سليم فقالوا: (إن صاحباً لنا قد أوجب) فقالr: (يعتق رقبة يفك الله بكل عضو منها عضواً منه من النار) وفي رواية: (أعتقوا عنه رقبه ).

وجه الدلالة: كلمة (أوجب) دلت على أن القتل عمداً هو الذي يستوجب النار لفاعله ، فأمر النبي بعتق الرقبة؛ وبناء على ذلك تجب الكفارة في القتل العمد.

نوقش الدليل:

بأنه يحتمل أنه كان قتل خطأ أو شبه عمد وسماه واثلة موجباً وذلك لفوات النفس ، أو أنه أمرهم بالعتق تبرعاً بدليل أنه عليه الصلاة والسلام أمر غير القاتل بالعتق في الرواية الأخرى.

– القياس على القتل الخطأ، فالكفارة شرعت لتمحو الإثم ، والإثم في العمد أعظم وأكبر جرماً، وحاجة القاتل إلى تكفير ذنبه أعظم فكان أدعى إلى إيجابها، فإذا كانت الكفارة واجبةً في حق القاتل خطأً فهي في حق القاتل عمداً من باب أولى .

نوقش الدليل:

أن القياس مع الفارق ؛ لأن القتل الخطأ دون العمد في الإثم ، وشرع الكفارة لدفع الأدنى لا يدل على دفع الأعلى .