حكم التسمية عند ذبح البهيمة

،؛| ░ مسألة حكم التسمية على الذبيحة ░ |؛،

 

اختلف العلماء بحكمها على عدة أقوال كالتالي :

القول الأول:

أنها شرط لصحة الذكاة عند الذكر ساقطة عند النسيان.

وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.

الأدلة على اشتراط التسمية :

1/ قال الله عز وجل : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}، وجه الدلالة : أنه نهي والنهي يقتضي تحريم الأكل منها إذا لم يذكر اسم الله عليها.

2/ حديث عديّ بن حاتم الطائي رضي الله عنه عندما سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عمّا إذا وجد مع كلبه كلباً آخر فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا تأكل ، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك ) ، وجه الدلالة: أنه عليه الصلاة والسلام علل الحرمة بترك التسمية .

3/ حديث أنس رضي الله عنه: (كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا ذبح ذكر اسم الله).

4/ قال عليه الصلاة والسلام: ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) .

5/ الإجماع المنعقد قبل زمن الشافعي وقد نقلوه الحنفية في كتبهم.

 

الأدلة على سقوطها عند النسيان :

1/قوله عليه الصلاة والسلام:(ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد) فدل الحديث على حل الذبيحة إذا نسي ذكر اسم الله عليها .

2/ قوله عليه الصلاة والسلام: ( عفي لأمتي الخطأ والنسيان) وجه الدلالة : عموم الحديث.

3/ قول ابن عباس: “من نسي التسمية فلا بأس”.

ويمكن أن يستدل بقوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ، وجه الدلالة: عموم الآية بعدم المؤاخذة في حالة النسيان.

 

اعتراضات على مذهب الجمهور :

1/ في قوله تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه }

وقوله : {وما ذبح على النصب} فيكون المقصود من الآية هو: ما ذبح للأصنام أو ما ذبح على النصب ولهذا قال تعالى: { وإنه لفسق} وقد أجمعت الأمة على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق ، فوجب حملها على أنها ما ذبح للأصنام أو على النصب .

3/ أن النهي في الآية للتنزيه أي يدل على الكراهة.

وأجابوا أيضا على الاستدلال بالآية من الناحية اللغوية فقالوا:  فأن الذي تقتضيه البلاغة أن قوله: { وإنه لفسق} ليس معطوفـاً للتباين التام بين الجملتين إذ الأولى فعليّة إنشائية والثانية اسمية خبرية ولا يجوز لغةً أن تكون جواباً لمكان الواو فتعين أن تكون حالية فيتعين أن تكون حالية فيتقيد النهي بحال كون الذبح فسقاً

1/ أن ذكر التسمية للندب .

2/ أن المراد بالتسمية الإرسال.

إجابة الجمهور على ما سبق :

 1/  أن كون الآية متعلقة بالميتة لا يعني اقتصارها على ذلك، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكما أن ما ذكر عليه اسم غير الله داخل في هذه الآية، فكذلك ما ترك المسلم التسمية عليه عمداً،أما الناسي فلا يسمى فاسقاً.

2/ من تعمد ترك التسمية مع علمه بما أمره الله به فيها فقد استباح بغير ما أذن الله له فيه فصار في معنى قوله وإنه لفسق فلم تؤكل ذبيحته.

3/ أن معنى الفسق قد فسره القرآن بالذبح للأصنام أو على النصب فهذا لا يعني حصرها في ذلك بل لا مانع أن يدخل فيها من ترك التسمية متعمداً .

4/ أن قولنا أنها شرط للذكاة وتسقط عند النسيان لا يعني بحال تخطئة من قال: إن الأكل مما تركت التسمية عليه ليس بفسق، ولكن – أيضاً – لا يمكن المساواة في ذلك بين المتعمد والناسي .

 

 

القول الثاني :

أنها شرط لصحة الذكاة لا تسقط مطلقاً لا عمداً ولا نسياناً.

وهو قول جماعة من السلف وراوية عن أحمد ، واختاره ابن تيمية ،  ورجحه ابن عثيمين رحمهم الله تعالى أجمعين .

 

أدلتهم:

1/ لعموم قوله تعالى : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه }  وجه الدلالة : ظاهر الآية فلم يخصص ناسي ولا جاهل ولا عامد وإنما كل مالم يذكر اسم الله عليه فهو منهي عنه.

 

وأيضاً قالوا أن (من ) استغراقية تفيد التأكيد وتأكيد العام ينفي احتمال الخصوص فهو غير محتمل للتخصيص فيعم كل مالم يذكر اسم الله عليه حال الذبح عامداً أو ناسياً .

 

2/ لأن التسمية شرط ، والشرط لا يسقط بالنسيان والجهل و لا يعذر في تركه سهواً كالوضوء مع الصلاة.

 

الأجوبة على أدلتهم :

1/ الجواب على الدليل الأول: أما النهي في الآية فيحمل على حال الذكر دون النسيان لكثرة النسيان عند الناس مما يسبب الحرج وهو مدفوع بقوله تعالى: { ما جعل عليكم في الدين من حرج }فيحمل النهي الوارد على حالة العمد دون النسيان بدليل قوله : {وإنه لفسق } والأكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق .

وأما (من الاستغراقية) ، لأنه لو أريد به ذلك لجرت المحاجة وظهر الانقياد وارتفع الخلاف لأن ظاهر ما يدل عليه اللفظ لا يخفى على أهل اللسان وفي ذلك أيضا من الحرج مالا يخفى إذ الإنسان كثير النسيان فيحمل على حالة العمد .

 

2/ الجواب على الدليل الثاني: أن القياس مع الفارق وذلك لأن ترك الطهارة عند حضور وقت الصلاة سهواً يقل وقوعه لأن المسلم متعود على الاستعداد للصلاة عند دخول وقتها بالوضوء عادة فالشروع في الصلاة من غير طهارة سهواً يكون نادراً فلا يعذر ويلحق بالعدم ، أما ذكر اسم الله فأمر لم يتعوده الذابح نفسه لأن الذبح على مجرى العادة يكون عند القصابين فترك التسمية من الذابح لذبيحته سهواً لا يندر وجودة بل يغلب فيجعل عذراً لدفع الحرج .

 

 

القول الثالث :

أنها سنة وهو رواية عن مالك ومذهب الشافعية  ورواية عند أحمد .

 

الأدلة:

1/ قول الله تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } ، فأباح ذبائحهم ولم يشترط التسمية .

2/ قوله تعالى : {حرمت عليكم الميتة والدم} إلى قوله: {إلا ماذكيتم } وجه الدلالة : أنه أباح المذكى ولم يذكر التسمية  .

 

3/ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :( المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم ) وجه الدلالة: أنه سوّى بين التسمية وعدمها والشرط لا يكون كذلك ، والتسمية لو كانت شرطاً للحل لما سقطت بعذر النسيان كالطهارة في باب الصلاة .

 

4/ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل :أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله فقال: ( اسم الله في قلب كل مسلم ).

 

5/ حديث عائشة رضي الله عنها أن قوماً قالوا يارسول الله: إن قوماً حديثوا عهد بجاهلية يأتونا بلحمان لا ندري اذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا أنأكل منها أم لا ، فقال : (اذكروا اسم الله وكلوا ) وجه الدلالة: لو كان واجباً لما جاز الأكل مع الشك .

 

 

 

الأجوبة على أدلتهم :

 

1/ الجواب على الدليل الأول:

أن ما ذكرتموه مخالف للآية { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } فهنا نهي صريح عن عدم الأكل مما لم يتم التسمية عليه.

2/ الجواب على الدليل الثالث:

*أن ما ذكرتموه محمول على حالة النسيان دفعاً للتعارض بينه وبين حديث: (لا تأكل إنما سميت على كلبك) فيحمل الحديث الذي استدللتم به على حال النسيان.

*لا نسلم التسوية بين العمد والنسيان وهذه التسوية معهودة فيما إذا كان الناسي على هيئة مذكرة له كالأكل في الصلاة أما هنا لم تكن الهيئة مذكرة له بل قد تكون داعية للنسيان لما يحصل للذابح عند زهوق روح الحيوان من تغير الحال.

4/ الجواب عن الدليل الرابع:

أن الحديث ضعيف ولا يجاري أحاديث اشتراط التسمية بالقوة والصحة .

5/ الجواب عن الدليل الخامس :

أن ما ذبحه المسلم ولم يعرف هل سمى الله عليه أم لا ,انه لا بأس بأكله وهو محمول على انه قد سمى، والمؤمن لا يظن به إلا الخير و محمول على السلامة حتى يصح فيه غير ذلك من تعمد ترك التسمية ونحوه.

6/ أن هذا القول مخالف للإجماع المنعقد قبل الشافعي على أنه لا تحل ذبيحة من ترك التسمية متعمداً.

كما يمكن أن يجاب عليهم بالأثر الوارد : أن عبدالله ابن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أمر غلاماً له أن يذبح ذبيحة فلما أراد أن يذبح قال له سم فقال الغلام قد سميت فقال له سم الله ويحك قال قد سميت الله تعالى فقال ابن عياش والله لا أطعمها أبداً .

 

ثمرة الخلاف :

♦ مسألة إذا ذبح وترك التسمية عامداً .

▫ على القــول الأول: لا يحل أكلها عند تركها عمداً .

▫ على القول الثاني: لا يحل أكل الذبيحة مطلقاً عند ترك التسمية .

▫ على القول الثالث: يحل أكلها عند عدم التسمية عليها مطلقاً .

♦ مسألة إذا ذبح وترك التسمية ناسياً .

▫ على القــول الأول: تحل عند تركها نسياناً .

▫ على القول الثاني: لا يحل أكل الذبيحة مطلقاً عند ترك التسمية.

▫ على القول الثالث: يحل أكلها عند عدم التسمية عليها مطلقاً.

 

هذا ماتيسر لي جمعه وتلخيصه،  فإن وفقت فمن الله وحده وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان ، والله تعالى أعلم وأحكم ، والحمد الذي بنعمته تتم الصالحات.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.